شبكة عفرين الاخبارية

عفرين حيثما تقتل تركيا الإنسانية

495

روج موسى – جعفر جعفو

عفرين – كانت ساعات قصيرة مقارنة بأيام المقاومة الطويلة على مدار 54 يوماً الماضية، ولكنها كانت في الواقع طويلة جداً، أطول من المخاطر التي واجهتنا كإعلاميين طيلة تغطيتنا لمقاومة العصر والمجازر التي حصلت بحق المدنيين من قبل جيش الاحتلال التركي ومرتزقته.

القصف الجوي والذي تلاه القصف المدفعي مباشرةً على مدينة عفرين، كان يشير إلى دخول العدوان التركي على عفرين مرحلة جديدة من الهمجية، حيث بدأ القصف بتمام الساعة الرابعة من عصر يوم أمس الثلاثاء على المدينة، كان الدخان يتصاعد من المنطقة التي تعج بالسكان في حي عفرين الجديدة، كانت الكاميرا تسجل الدخان المتصاعد، حين صدح صوت قوي، ليلحقه دخان أسود جديد تصاعد من مكان سقوط القذيفة السابقة، كان الدخان الأسود يدل على أنه احتراق لأحد الخزانات أو السيارات.

الأهالي كانوا في حالة استنفار تام، فمن يحمل كبار السن على ظهره ويركض بهم لملجأ آمن، ومن يقوم بانتشال الجرحى والشهداء من المنازل المتضررة، ومنهم من يركض في الشارع وعينه إلى السماء يحاول أن يطمئن من عدم وجود طائرات استطلاع في الجو، كان مصدر الدخان المتصاعد من المنطقة هو نتيجة احتراق إحدى السيارات بشكل كامل، فقد كانت ألسنة اللهب تلتهم السيارة شيئاً فشيئاً بالقرب من أحد الحدائق في عفرين، الجميع يحاول إبعاد السيارة الأخرى عنها لتجنب انفجارها هي الأخرى.

في ظل فوضى الأحداث المتتالية واستمرار القصف على المدينة، بات معلوماً أن هناك عدد كبير من الجرحى والشهداء كون المدينة تكتظ بمئات الآلاف من المدنيين، فأينما كان مكان سقوط القذيفة سيكون بين تجمع للمدنيين الذين أعلنوا مرراً على أنهم سيبقون في المدينة، ولن يتخلوا عن أرضهم ومنازلهم مهما كلف الأمر والذي بات جلياً عبر نشاطاتهم اليومية واعتصاماتهم وتظاهراتهم.

المشفى الذي بات يعج بالمدنيين والأهالي والمسعفين، كان يجهد لمعالجة وإسعاف الجرحى والذين أغلبهم من الأطفال، بينما نقل الشهداء للبرادات مباشرةً، كانوا هم أيضاً أطفالاً، كان الوضع يبعث على الانتقام تارةً وعلى الحزن تارةً أخرى، فرؤية هؤلاء الأطفال بهذه الحالة والدماء تغطي جميع أجزاء جسمهم وملابسهم نتيجة جروحهم الكثيرة، بعث بروح الانتقام للجميع، فيما كان يبعث على الحزن بسبب بكاء أشقاء الجرحى الصغار أيضاً الذين كانوا بدورهم في حالة صدمة تامة، فبين بكاء الأطفال وروح الانتقام كانت هنالك العديد من المفاهيم الإنسانية تضيع، نتيجة التفكير بسبب عدم معرفة ماهية ذنب الأطفال.

كاجين 6 أعوام ومنذر 3 أعوام وآفرين 5 أعوام وحمودة 5 أعوام، كانوا يلعبون في الشارع أثناء استهدافهم بالقذيفة بشكل مباشر، مما أدى لاستشهاد حمودة مباشرة وإصابة الأخوة الثلاثة الآخرين الذين هم أولاد عمته، الأخوة الثلاث دخلوا غرف الإسعاف، آفرين لوحدها كانت ذات الإصابة الأخف وهي جروح مختلفة بجسمها الصغير، بينما كان أخوها منذر في غرفة العمليات وبترت اثنتان من أصابعه، بينما كانت أختها كاجين في وضع سيء بسبب فقدانها كمية كبيرة من الدماء.

والدة حمودة الصغير كانت مصابة أيضاً، شقيقة حمودة الصغيرة تلعب بشعر والدتها دون أن تعلم ماذا حدث مع والدتها وأن أخاها حمودة قد استشهد، كانت الأم على الفراش برباطة جأش قوية، وآفرين ابنة أخيها مفترشة جنبها، تطلب المياه والطعام ناسيةً تماماً بأنها جريحة، وتسأل عن والدتها جنات والتي كانت جريحة هي أيضاً بإصابات بليغة.

كان عبد الرحمن محمد علي والد كاجين ومنذر جالساً أمام غرفة العمليات منتظراً نتيجة عمليات ابنه وابنته، كانت السيجارة لا تفارقه، وكأنه يحاول أن ينسى الواقع الأليم الذي يمر به بسحب تلك الأنفاس المتعبة، كانت هناك عدة عوائل أخرى مثل عبد الرحمن جالسة أمام ذاك الباب البني.

كانت كاجين قبل دخولها غرفة العمليات تحاول نزع الضماد المربوط على رأسها، لأنها لم تعتاد أن يكون رأسها مقيد بشاش أو شيء آخر، بينما أباها يقبلها، ويقول لها “ستكونين بخير كاجين”، بينما الجميع يتأمل كاجين الصغيرة وهي تتألم، ناسين كل آلامهم المتتالية.

لم تمر ساعات واشتد القصف على المدينة بشكل أعنف من ذي قبل، فإذ بعربة إسعاف أخرى تنقل الجرحى إلى المشفى، العربة التي نزل منها خمسة أطفال جميعهم مصابين بجروح متفاوتة، الأطفال الذين كانوا نائمين وفق ما تقول أمهم التي كانت تنقلهم إلى الملجأ، لكي يكملوا نومهم براحة ودون خوف من القصف الذي كان يستهدف منازل المدنيين في قرية ترندة التابعة لعفرين، وذلك في مكان إقامتهم الجديد بإحدى المدارس كونهم كانوا قد قدموا من قريتهم.

كان الأطفال يفترشون غرفة الإسعاف بينما كانت الصغيرة روزالين بينهم تجوب عليهم وتقبلهم، مؤكدةً لهم بأنه لم يحدث شيء، فكانت روزالين حافية القديمين ومغبرة بشكل شبه كامل، ولكن لم تتخلى عن روحها الجميلة الشبيهة بعينيها الكبيرتين.

الحصيلة النهائية للرابع عشر من آذار كانت 7 شهداء بينهم 4 أطفال منهم كاجين وحمودة و17 جريحاً أغلبهم أطفال، ففي كل إصابة وفي كل قصف متجدد تظهر العشرات من القصص والعشرات من الأحداث المؤلمة.